محمد الغزالي
127
فقه السيرة ( الغزالي )
المقاطعة العامة وتمخّض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبر المسلمين ومن يرضى بدينهم ؛ أو يعطف عليهم ؛ أو يحمي أحدا منهم - حزبا واحدا دون سائر الناس ، ثم اتفقوا ألا يبيعوهم ، أو يبتاعوا منهم شيئا ، وألا يزوجوهم ، أو يتزوّجوا منهم ، وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة ، توكيدا لنصوصها . ولا شكّ أنّ المتطرفين من ذوي النزق والحدّة ، نجحوا في فرض رأيهم ، وإشباع ضغنهم ، فاضطر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومن معه إلى الاحتباس في شعب بني هاشم ، وانحاز إليهم بنو المطلب ، كافرهم ومؤمنهم على سواء ، ما عدا أبا لهب ، فقد ازر قريشا في خصومتها لقومه . وضيّق الحصار على المسلمين ، وانقطع عنهم العون ، وقلّ الغذاء حتى بلغ بهم الجهد أقصاه ، وسمع بكاء أطفالهم من وراء الشّعب ، وعضتهم الأزمات العصبية ، حتى رثى لحالهم الخصوم ، ومع اكفهرار الجو في وجوههم ، فقد تحملوا في ذات اللّه الويلات . ولم تفتر حدة الوثنيين في الحملة على الإسلام ورجاله ، وفي تأليب العرب عليهم من كل فج . قال السهيلي : كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى مكة ، يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام قوتا لعياله ، فيقوم أبو لهب فيقول : يا معشر التجار ! غالوا على أصحاب محمد ، حتى لا يدركوا معكم شيئا ، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، فأنا ضامن ألاخسار عليكم . فيزيدون عليهم السلعة قيمتها أضعافا ، حتى يرجع أحدهم إلى أطفاله ، وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يده شيء يطعمهم به ، ويغدو التجار على أبي لهب ، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس ، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعا وعريا . وروى يونس عن سعد بن أبي وقاص ، قال : خرجت ذات ليلة لأبول